أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم

الصبر

أولاً : المعنى اللغوي
الصبر في اللغة : الحبس و في الاصطلاح هو : حبس النفس على ما يقتضيه العقل و الشرع أو ما يقتضيان حبسها عنه أو هو حبس النفس على ما تكره ابتغاء مرضاة الله كما قال تعالى : " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " – الكهف 28

ثانياً: الحث عليه
حث الله تعالى عباده على الصبر و رغب فيه كقوله تعالى بعد أن أباح للمؤمنين أن يعاقبوا من أساء إليهم بمثل ما جرى لهم:" وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ" – النحل آية 126 أي أن الصبر على الانتقام خير منه ثم أعقب ذلك بقوله تعالى " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ" النحل-127

ثالثاً: الترغيب فيه
و قد رغب الله تعالى المؤمنين في هذا الخلق الكريم بطرق كثيرة منها :

صبر النبي صلى الله عليه و سلم

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر رسل الله تعالى جهاداً و صبراً على الابتلاء و الإيذاء و قد لاقى من المشركين و اليهود و المنافقين عداءاً شديداً فما زاده ذلك إلا إصراراً و ثباتاً و من امثلة صبره صلى الله عليه و سلم :

من أقوال النبي صلى الله عليه و سلم في الأمانة
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" – أخرجة الترمذي
و قال صلى الله عليه و سلم " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء"

ومن أدلة الصبر في الحرب من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حديث عَبْد ُاللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّه عَنْهمَا ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا قَالَ : " أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، ف َإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ، ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] .

وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا ـ تشققت من المشي ـ وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي ، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا " [ متفق عليه ] .

ومن أدلة الصبر على المرض عن عطاء بن أبي رباح يقول : قال لي ابن عباس : أتحب أن أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : نعم ، قال : تلك المرأة السوداء – مقاييس الدنيا ومقاييس الجنة مختلفة- أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت له يا رسول الله إني أصرع -أي تصاب بالصرع- وإني أتكشف فأدعو الله لي أن يعافيني ، فقال لها النبي : إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة فقالت : أصبر يا رسول الله ولكني يا رسول الله أتكشف فأدعو الله ألا أتكشف ، فدعا لها النبي فكانت تصرع ولا تتكشف. وهي من أهل الجنة .

يقول النبي صلي الله عليه وسلم " إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه (وهما العينان ، وسموا كذلك لأنهم أحب أعضاء جسده إليه) فصبر ، لم يكن له عندي جزاء إلا الجنة "

يقول النبي صلي الله عليه وسلم: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادي منادي ليقم أهل الفضل ، فيقومون وهم قليل ، فيسيرون سراعا إلى الجنة ،فتستوقفهم الملائكة وتقول : من أنتم ؟ فيقولن نحن أهل الفضل ، فيقولون لهم وما فضلكم ، فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسيئ إلينا غفرنا ، وإذا جهل علينا حلمنا فتقول لهم الملائكة : أدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

ومن أدلة الصبر على الظلم قال رجل من المسلمين‏:‏ اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئاً فهو عليه صدقة فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني قد غفرت له وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ‏"‏ قالوا‏:‏ وما أبو ضمضم قال ‏"‏ رجل ممن كان قبلكم كان إذا أصبح يقول‏:‏ اللهم إني تصدقت اليوم بعرضي على من ظلمني‏.

ومن صور الصبر على الطاعة ، الصوم في اليوم شديد الحر ، لما في ذلك من عظيم الأجر ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " [ أخرجه مسلم ] .

وهكذا نرى أن الصبر من الصفات العظيمة التي اتصف بها أولوا العزم من الرسل و يتقدمهم النبي صلى الله عليه و سلم فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصابرين الذين يوفيهم الله تعالى أجرهم بغير حساب

المراجع
من كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم في القرآن و السنة
المؤلف : الدكتور أحمد بن عبد العزيز بن قاسم الحداد

جزاه الله و علماء المسلمين جميعا خيرا و رزقه صحبة نبيه صلى الله عليه و سلم في الجنة