أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم

الأمانة

أولاً : المعنى اللغوي
هي مأخوذة من الأمن الذي هو ضد الخوف لأن الأمانة لا يخاف عليها لأنها توضع عند أمين ولأمين ثقة لا يخون أما في الاصطلاح فتعرف بأنها : ضد الخيانة و يقال بأنها صيانة الإنسان كل ما ينبغي صيانته من حقوق أو فروض أو واجبات أو حدود أو أشياء مادية أو معنوية سواء كانت لله تعالى أم للناس

ثانياً : الأمانة و الخيانة في القرآن الكريم
كان تنويه القرآن الكريم عن الأمانة تنويه عظيم دل على عظم منزلة الأمانة عند الله تعالى و ذلك في آيات كثيرة من الذكر الحكيم منها قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) – سورة الأحزاب آية 72

و الأمانة في الآية الكريمة هي كل ما يؤتمن عليه المرء من أمر و نهي و شأن دين و دنيا و الشرع كله أمانة كما قال الحسن البصري و غيره من السلف رحمهم الله تعالى

و العديد من الآيات الكريمة أمرت بأداء الأمانة و منها : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ) – سورة البقرة آية 283
و في قوله تعالى : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) – سورة النساء آية 58
و قد كان تحذير القرآن الكريم من الخيانة شديداً في آيات كثيرة منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) – سورة الأنفال آية 27

و قد بين القرآن الكريم ما للخيانة من أثر في الدنيا و الآخرة في آيات كثيرة منها : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) – سورة الأنفال آية 58
و قد قرن الله تعالى هذه الصفة بالكافرين و النافقين فقال : (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) – سورة الحج آية 38
و قال تعالى : (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) – سورة النساء آية 107
و قوله تعالى : (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) – سورة الأنفال آية 71 فالآية الأولى و الثالثة تثبت الخيانة للكافرين و الثانية للمنافقين و مما يترتب على الخيانة أن الله تعالى يحبط أعمال الخائنين و تدابيرهم كما قال جل و علا : ( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) – سورة يوسف آية 52

ثالثاً : التنويه بأهل الأمانة في القرآن الكريم
نال القائمون بالأمانة على وجهها عظيم الثناء من الله سبحانه و تعالى و جزيل إكرامه. أما الملائكة فكلهم قائم بأدائها على وجهها الكامل لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و قد خص الله سبحانه و تعالى جبريل عليه السلام بالثناء عليه بها لما هو منوط به من مهمة و هي السفارة بين الله تعالى و رسله عليهم الصلاة و السلام فقد قال تعالى : "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ" – سورة الشعراء آيتي 193 - 194
و قال تعالى : "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ" – سورة التكوير 19-21

أما الأنبياء و الرسل فهم أمناء الله في أرضه على شرائعه و دينه لذلك كانت الأمانة واجبة لهم كما قال هود عليه السلام : "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ" – سورة العراف –68 و كما قال يوسف عليه السلام : "إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ" و كما قالت ابنة شعيب عليه السلام في وصف موسى عليه السلام حيث قالت : "قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" – سورة القصص آية 26

أما المؤمنون فقد بين الله تعالى ما نالوه جزاء الأمانة و غيرها من الأخلاق الكريمة فقد قال تعالى : "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " – سورة المؤمنون آيات من 9-11

تمثل خلق الأمانة في النبي صلى الله عليه و سلم

أما أصدقائه و صحابته فلم يختلف أحد على أمانته صلى الله عليه و سلم و من أمثلة ذلك ما قالته عنه خديجة رضي الله عنها عند بداية نزول الوحي عليه صلى الله عليه و سلم : "...فوالله إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرحم و تصدق الحديث.." و ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة رضي الله تعالى عنه حين سأله عن الدين الذي اعتنقوه فأجاب : "حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفته.."

و لا غرو أن النبي صلى الله عليه و سلم كان مثالاً للأمانة و كيف لا و قد ائتمنه الله تعالى على رسالته الخاتمة فكان خير من أدى هذه الأمانة إلى حد الكمال فقد قال تعالى : " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" – سورة المائدة آية 3

من أقوال النبي صلى الله عليه و سلم في الأمانة

المراجع
من كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم في القرآن و السنة
المؤلف : الدكتور أحمد بن عبد العزيز بن قاسم الحداد

جزاه الله و علماء المسلمين جميعا خيرا و رزقه صحبة نبيه صلى الله عليه و سلم في الجنة