موقع السراج

Alsiraj Banner Image

الرد على مزاعم وجود أيات عنف في القرآن الكريم

آيات الجهاد...المعنى الحقيقي
الآية (88:9)

تقول الآية الكريمة: (لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) – سورة التوبة آية 88

اتعجب حقيقة من رأي البعض في هذه الآية الكريمة...من الواضح أن الآية يتم استقطاعها خارج سياقها الأصلي لأنني لا أعتقد أن أي إنسان بمعلومات بدائية عن اللغة العربية لا يعلم أنه لا توجد جملة تبدأ بكلمة (لَكِنْ) لهذا فعندما يدعي البعض أن هذه الآية تحض على العنف و يستشهد بها منفردة فلابد ان نستنتج أنها مستقطعة من سياقها. و لهذا فلنبدأ الحديث بوضعها في سياقها قال تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) سورة التوبة من آية 81 و حتى آية 92

إذن ما القصة؟
هذه الآية تحكي قصة غزوة (تيوك) –التي ذكرناها في الآية السابقة- و هي التي سميت (غزوة العسرة) فالآيات توضح ردود افعال المسلمين المختلفة لنداء المعركة فمنهم (المنافقون) الذين ادعوا الإسلام بخلاف حقيقتهم و تهربوا من القتال مع النبي صلى الله عليه و سلم و قد وضحت الآيات انهم اختلقوا اعذارا كاذبة و اهية للتهرب من القتال و لكن عندما عاد المسلمون  جاءه المنافقون ليعتذروا عن تخلفهم عن الغزوة وحلفوا له كذبًا فقبل رسول الله علانيتهم ووكل سريرتهم لله و قد أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه و سلم  أن لا يستصحبهم في غزواته ابدا لأن خروجهم معه يوجب أنواعا من الفساد

و الآن لنلق نظرو متفحصة على لغويات الآية الكريمة:

  1. أمر الله تعالى على من تخلف من المنافقين دون عذر في غزوة (تبوك) الا ينالوا شرف الجهاد في سبيل الله تعالى لما قاموا به من دور قذر قبل الحرب و اثناءها و بعدها و من ثم حرموا من القتال مع النبي صلى الله عليه و سلم لما لوجودهم بين صفوف الجيش المسلم من خطر على المسلمين حيث كانوا ينشرون الإشاعات و يهبطوا من عزيمة الجنود و يخيفوهم من القتال و هذا واضح في الآية الكريمة حيث يقول تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) – سورة التوبة آية 47

    و يتضح من كلمات مثل (فَرِحَ) في الآية 81 من سورة التوبة أن المخلفين كانوا سعداء لعدم مشاركتهم في القتال مما يؤكد خيانتهم و كذبهم و نفاقهم كما في نفس الآية قال تعالى على لسان المنافقين: (قَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ) مما يؤكد مكرهم و خبثهم و محاولتهم تثبيط همة الجيش و إهباط عزيمتهم و تشجيعهم على التكاسل عن الخروج للقتال

  2. و في قوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً) في الآية 82 من نفس السورة فسخريتهم و ضحكهم و الجيش في طريقه لمعركة من أقوى جيوش الأرض لهو خير دليل على سوء النية. هذه السخرية الماكرة ذكرها الله تعالى في سورة المطففين : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ) – سورة المطففين آية 29 و 30 إذن سلاح السخرية هو أحد الأسلحة التي يستخدمها المنافقون لإحباط المسلمين و زعزعة ثقتهم في أنفسهم و لكن بالطبع و بفضل الله تعالى فشلوا في تحقيق غرضهم الدنيء
  3. فلننظر كيف تمت معاقبة المنافقين فلننظر الى الحكم الالهي يقول تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) – سورة التوبة آية 83 لأن اعتذارهم لم يكن عن ندم حقيقي و إنما خوفا أن يحرموا من الغنائم المنتظرة في الحروب القادمة

    و إنما غفر الله تعالى لثلاثة فقط من المسلمين الذين تخلفوا عن القتال لأنهم اعترفوا بخطأهم بشجاعة و كان ندمهم صادقا و تحملوا العواقب كاملة قتاب الله تعالى عليهم و قد ذكر الله تعالى قصتهم قي الآية 118 حيت تقول الآية الكريمة: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

  4. لاحظ دقة القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) – سورة التوبة آية 83 حيث يقول تعالى كلمة (طَائِفَةٍ) لأنه ليس كل من بقى في المدينة من المنافقين فالبعض كان له عذر مقبول و منطقي و بالتالي ابيح لهم البقاء و عدم الخروج و قد ذكر الله تعالى هؤلاء المتخلفين بعذر مقبول فقال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) - سورة التوبة آية 91-92
  5. كانت ثاني عقوبة للمنافقين هو حرمانهم من صلاة النبي صلى الله عليه و سلم عليهم وقت جنازاتهم عند وفاتهم

    هنا وجب علينا ذكر قصة زعيم المنافقين عبد الله بن ابي بن سلول و قد كان أحد أقوى رجال المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم اليها و قد كاد أن ينصب ملكا قبل دخول النبي صلى الله عليه و سلم المدينة و لكن دخول النبي صلى الله عليه و سلم أفشل خططه و دمر حلمه أن يكون الحاكم الأول و الأوحد للمدينة مما جعل في نفسه غل و حقد على النبي صلى الله عليه و سلم فعندما دخل النبي صلى الله عليه و سلم الى المدينة إدعى الإسلام فكان كبير المنافقين و لهذا فقد خان النبي صلى الله عليه و سلم في عدة مواقف ظهرت فيها نيته الحقيقية فقد شنّ الحرب النفسيّة ضد معسكر المسلمين؛ من خلال بثّ الإشاعات المغرضة و نسج المكائد الخبيثة ضدهم فمثلا انسحابه مع ثلاثمئة مقاتلٍ من أصحابه يوم أحد تحت ذريعة عدم استماع النبيّ الكريم إلى مشورته ونصيحته في ترك الخروج من المدينة كما حرّض يهود بني النضير على قتال النبيّ والمسلمين، وعرض عليهم الوقوف إلى جانبهم في تلك الحرب كمل طعن في عرض النبيّ الكريم حينما اتّهم السيدة عائشة بالفاحشة بهتاناً وزوراً، وقد كان صاحب فكرة بناء مسجد الضرار في المدينة الذي بُني لإحداث الوقيعة والشقاق بين المسلمين قبل أن يقرّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هدمه

    و حينما حضرت ابن سلول الوفاة طلب ابنه عبد الله من النبيّ عليه الصّلاة والسّلام قميصه؛ حتّى يُكفّن فيه ابوه فوافق النبيّ الكريم على ذلك، و طلب من النبي أن يصلّي عليه و هنا طالب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه النبي الا يصلي عليه و لكن النبيّ الكريم صلّى عليه ثم نزلت الآية التي تنهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة على المنافقين، قال تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) – سورة التوبة آية 84

  6. رجاء لاحظ الكلمة (أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) في آية 86 من سورة التوبة تقول الآية الكريمة: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) ففي اللغة العربية فإن لفظ (أُوْلُوا الطَّوْل) تعني ذوو الغنى والمال فهم القادرون ماديا و صحيا على القتال و مع هذا تخلفوا عن القتال عمدا و بمحض إرادتهم لضعف نفوسهم و نفاقهم
  7. في الآية 88 من سورة التوبة قال تعالى: (لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) فتطمئن المسلمين و تعدهم بالخير و النصر في الدنيا و الآخرة

الاستنتاج
مما سبق نستنتج أنه لابد عند قراءة آيات القرآن الكريم لابد من وضعها في سياقها لترى القصة كاملة كما يجب معرفة اسباب نزول الآية و هل هي خاصة بموقف ما أم انها تحمل حكما عاما فالآيات السابقة تحكي قصة المنافقين و محاولاتهم المضنية إفساد مجتمع المدينة فكانت العقوبات الإلهية جزاء لهم و لاحظ أن العقوبات تنحسر في منعهم من القتال مع المؤمنين و عدم صلاة النبي عليهم صلاة الجنازة فلم يأمر الله تعالى بقتلهم أو جلدهم أو تعذيبهم و إنما أمر بإبعادهم من القتال مع المسلمين تلافيا لما قد يحدثوه من فتن و عدم صلاة النبي عليهم صلاة الجنازة لما في ذلك من رحمة بهم فالله تعالى توعدهم بالعقاب في الآخرة لخيانتهم...فأين العنف إذن؟