نظرة الإسلام إلى المال

عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض " .
قيل : ما بركات الأرض ؟
قال : " زهرة الدنيا "
فقال له الرجل : هل يأتي الخير بالشر ؟
فصمت رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى ظننت أنه سينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه . قال : " أين السائل ؟".
قال : أنا
قال : " لا يأتي الخير إلا بالخير ، إن هذا المال خضرة حلوة ، وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطا أو يلم ، إلا آكلة الخضر ، أكلت ، حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس ، فاجترت وثلطت وبالت ، ثم عادت فأكلت ، وإن هذا المال خضرة حلوة ، من أخذه بحقه ، ووضعه في حقه ، فنعم المعونة هو ، وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع".

قال ابن الأثير ـ معلقا على هذا الحديث ـ: " وفى هذا الحديث مثلان :
أحدهما : للمفرط في جمع الدنيا .
والآخر : للمقتصد في أخذها والانتفاع بها .فأما قوله : " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم " .
فإنه مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها ، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول ، فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه ، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال ، فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك ، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حقها ويمنعها من حقها ، قد تعرض للهلاك في الآخرة ، لا بل في الدنيا .

وأما مثل المقتصد ، فقوله : " إلا آكلة الخضر " وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم ، ولكنه من التي ترعها المواشي بعد هيج البقول ويسها ، حيث لا تجد سواها ، وتسميها العرب : الجنبة ، فلا ترى الماشية تكثر من آكلها ولا تستمرئها ، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصر في أخذ الدنيا وجمعها ، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ، فهو ينجو من وبالها ، كما نجت آكلة الخضر . ألا تراه قال : " أكلت ، حتى إذا مدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس ، فثلطت وبالت " . أراد أنها شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس ، تستمرئ بذلك ما أكلت ، وتجتر وتثلط ، فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط ، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول ، فيعرض لها المرض فتهلك ".

أخي المسلم : كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم ، فيخاف الافتتان بها .

فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له،لا بقليل يقنع ، ولا بكثير يشبع ، ولا يحلل ولا يحرم ، بل الحلال عنده ما يحل بيده وقدر عليه ، والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه . فهذا هو المتخوض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه ، وليس له إلا النار يوم القيامة والمراد بمال الله ومال رسوله الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها وصفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية ، وكذلك أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين ، كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك وفي هذا تنيه على أن من تخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها ، كمال الربا ، ومال الأتيام الذي من أكله أكل نارا ، والمغصوب ، والسرقة ، والغش في البيوع ، والخداع المكر وجحد الأمانات والدعاوى البطلة ، ونحوها من الحيل المحرمة ، أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدا . فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذون بها ، ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ، ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم ، فما تفي لذتها بتبعتها ،كما قيل:

من الحرام ويبقى الإثم والعار       تفني اللذاذة ممن نال لذتها
لا خير في لذة من بعدها النار       تبقى عواقب سوء من مغبتها

فلهذا شبه النبي صلي الله عليه وسلم من يأخذ الدنيا بغير حقها ، ويضعها في غير حقها ، بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله ، فإما أن يقتلها ، وإما أن يقارب قتلها . فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها ، إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه ، وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال فيستحق النار بعمله ، قال الله تعالى: " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم" . وهذا هو الميت حقيقة ، فإن الميت من مات قلبه ، كما قيل :

إنما الميت ميت الأحياء       ليس من مات فاستراح بميت

أما أن يقارب موته ثم يعافي ، وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب ، وأصلح عمله قبل موته . وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرا:

وليلك نوم والردى لك لازم       نهارك يا مغرور سهو وغفلة
كما سر باللذات في النوم حالم       تسر بما يفني وتفرح بالمني
كذلك في الدنيا تعيش البهائم       وتتعب فيما سوف تكره غبه

وأما استثنائه صلي الله عليه وسلم من ذلك " أكلة الخضر" فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته ، فإذا نفد واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقه .
وأكلة الخضر : دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل ، ثم تصرفه فتستقبل عين الشمس ، فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات .
وقد قيل : إن الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب ، إنما هو من كلا الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره ، والماشية من الإبل لا تستكثر منه ، بل تأخذ منه قليلا قليلا ، ولا تحبط بطونها منه . فهذا مثل المؤمن المقتصد من الدنيا ، يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها ، قد بلغته وحاجته ، ويجتزئ من متاعها بأدونه وأخشنه ، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفد ما عنده وخرجت فضلات، فلا يوجب له هذا الأخذ ضرارا ولا مراضا ولا هلاكا ، بل يكون ذلك بلاغا له ، ويتبلغ به مدة حياته ، ويعنيه على التزود لأخرته . وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته مقنع بذلك ، كما قال صلي الله عليه وسلم : " قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام ، وإذا كان عيشه كفافا فقنع به" .

وعن سعيد بن أبى وقاص رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : " خير الذكر الخفي ، وخير الرزق أو العيش ما يكفي " .

ومن العيش ما صفا       خذ من الرزق ما كفي
كسراج إذا أنطفا       كل هذا سينقضي

ثم قال صلي الله عليه وسلم : " إن هذا المال خضرة حلوة " فأعاد مرة ثانية تحذيرا من الاغترار به ، فخضرته بهجة منظره ، وحلاوته طيب طعمه ، فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه ، ولكن لو فكرت في عواقبه لهربت منه . الدنيا في الحال حلوة خضرة ، وفي المال مرة كدرة ، نعمة المرضعة ، وبئست الفاطمة ! . الذي بشر أمته بفتح الدنيا عليهم حذرهم من الاغترار بز هوتها ، وخوفهم من خضرتها وحلاوتها ، وأخبرهم بخرابها وفنائها ، وأن بين ايديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها ، فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة أنقطع وهلك ، ومن لم يقف معها وسار إلى تلك الأجلة ، وصل ونجا وفي " المسند " عن ابن عباس رضي الله عنه : " إن النبي صلي الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان ، فقعد أحدهما عند رأسه ، والأخر عند رجليه ، فقال أحدهما للأخر : أضرب له مثلا ، فقال : إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ، ولا يرجعون به ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة ، فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا مع شبة وحياضا رواء ، أتتبعوني ؟
قالوا : نعم
قال : فانطلق بهم فأوردهم رياضا مع شبه ، وحياضا رواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا ، فقال لهم : آلم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء اتتبعوني ؟
قالوا : بلى .
قال : فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه ، وحياضا هي أروى من هذه ، فاتبعوني .
قال : فقالت طائفة : صدق والله ، لنتبعه .
وقالت طائفة : قد رضينا بهذا نقيم عليه " .

موعظة :
" الدنيا خضراء الدمن . ومعنى ذلك أن خضرتها على مزيلة منتنة . يا دنى الهمة ، قنعت بروضة على مزبلة ، والملك يدعوك إلى فردوسه الأعلى ، "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الدنيا في الآخرة إلا قليل " . أرضيتم بخرابات البلى من الفردوس ؟ يا لها صفقة غبن ما أخسرها ! أتقنع بخسائس الحشائش والرياض معشبة بين يديك؟".

وقوله صلي الله عليه وسلم : " من أخذه بحقه ووضعه في حقه ، فنعم المعونة هو ، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " تقسيم لمن المال إلى قسمين :
فأحدهما : يشبه حال آكلة الخضر ، وهو من أخذه بحقه ووضعه في حقه ، وذكر أنه نعم المعونة هو ، فإنه نعم العون لمن هذه صفته على الآخرة ، كما في حديث عمرو ابن العاص عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " نعم المال الصالح للرجل الصالح " ، وهو الذي يأخذه بحقه ويضعه في حقه فهذا يوصله ماله إلى الله عز وجل ، فمن أخذ من المال بحقه ما يقويه ما يقويه على طاعة الله ، ويستعين به عليها ، كان أخذه طاعة ، ونفقته طاعة . وفي الحديث " الصحيح " عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إنك لن تنفق نفقتة تنتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ".

وفي حديث آخر : " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ، وما أطعمت أهلك فهو لك صدقة ، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة ، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة "فما أخذ من الدنيا بنية التقوى على طلب الآخرة فهو داخل فيقسم إرادة الآخرة والسعي لها في إرادة الدنيا والسعي لها . قال الحسن : " ليس من حب الدنيا طلبك ما يصلك فيها ، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها . ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه " . وقال سعيد بن جبير ـ رحمه الله تعالى ـ :" متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة ، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ، ولكنه بلاغ إلى ما هو خير منه ". وقال أبو سليمان ـ رحمه الله تعالى ـ : " الدنيا حجاب عن الله لأعدائه ، وطية موصلة إليه لأوليائه ، فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للاتصال به والانقطاع عنه " .

والقسم الثاني : يشبه حاله حال البهائم التي ترعي ترعي مما ينبت الربيع ، فيقتلها حبطا أو يلم ، وهو من يأخذ المال بغير حقه ، فيأخذه من الوجوه المحرمة ، فلا يقنع منه بقليل ولا بكثير ، ولا تشبع نفسه منه ، ولهذا قال : " وكان كالذي يأكل ولا يشبع " . وكان النبي صلي الله عليه وسلم يتعوذ من نفس لا تشبع . وفي حديث زيد بن ثابت ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من كانت الدنيا همه ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له " . فمن كان فقره بين عينيه لم يزل خائفا من الفقر ،لا يستغني قلبه بشيء ، ولا يشبع من الدنيا ، فإن الغني غني القلب ، والفقر فقر النفس .

وعن عيسى عليه السلام قال : " مثل طالب الدنيا كشارب البحر ، كلما ذاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله " وقال يحيى بن معاذ ـ رحمه الله تعالى ـ : " من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ، ومن كان غناه في كسبه لم يزل فقيرا ، ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم محروما ". ويشهد لذلك الحديث الصحيح ، عن النبي صلي الله عليه وسلم : " لو كان لا بن آدم واديان من ذهب لا تبتغى لهما ثالثا ، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب " . لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ، ولو تذكر الجائع إلى فضول مالها لشبع .

ودان لك العباد فكان ماذا       هب أنك قد ملكت الأرض طرا
ويحثى الترب هذا ثم هذا       أليس إذا مصيرك جوف قبر

وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثل الدنيا وخضرتها ونضرتها وبهجتها وسرعة تقلبها وزوالها ، وجعل مثلها كمثل نبات الأرض النابت من مطر السماء في تقلب أحواله وماله . قال الله تعالى : " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح شيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا " .
وقال تعالى :" اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخر عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " .
فالدنيا وجميع ما فيها من الخضر والبهجة والنضر تقلب أحواله وتتبدل ، ثم تصير حطاما يابسا .
وقد عدد الله سبحانه زينة الدنيا ومتاعها المبهج في قوله تعالى : " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنتين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة النعام والحرث ذلك متاع الحية الدنيا والله عنده حسن المآب " .
وهذا كله يصير ترابا ، ما خلا الذهب والفضة ، ولا ينتفع بأعيانهما ، بل هما قيم الأشياء ، فلا ينتفع صاحبهما بإمساكهما ، وإنما ينتفع بإنفاقهما ، ولهذا قال الحسن : " بئس الرفيق الدرهم والدينار ، لا ينفعانك حتى يفارقانك " .
وأجسام بنى آدم ، بل وسائر الحيوانات ، كنبات الأرض تتقلب من حال إلى حال ، ثم تجف وتصير ترابا ، قال تعالى : " والله أنبتكم من الأرض نباتا J ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا " .

يعود رفاتا بعدما هو ساطع       وما المرء إلا كالنبات وزهره

فينتقل ابن آدم من الشباب إلى الهرم ، ومن الصحة إلى القسم ، ومن الوجود إلى العدم ، ثم إذا شاء الذي أنشأ أعاده كما بدأه .

لابد للزرع من حـــصــــاد       قد يبلغ الزرع منتـــــــهـــــاه

وقد يدرك الزرع آفة قبل بلوغ حصاد فيهلك ، كما أشير إليه في قوله تعالى :" حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس . . . . ."
قال ميمون بن مهران لجلسائه : يا معشر الشيوخ ! ما ينتظر بالزرع إذا ابيض ؟
قالوا : الحصاد .
فنظر إلى الشباب ، فقال : يا معشر الشباب ! إن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يستحصد .
وقال بعضهم : أكثر من يموت الشباب ، وآية ذلك أن الشيوخ في الناس قليل .

عليك صافيه فالعمر معدود       أيا ابن آدم لا تغررك عافيه
بكل شيء من الآفات مقصود       ما أنت إلا كزرع عند خضرته
فأنت عند كمال الأمر محصود       فإن سلمت من الآفات أجمعها

كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة ، ودليل عليه ، فنبات الأرض واخضرارها بعد كونها خشبا يابسا يدل على بعث الموتى من الأرض ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة
قال الله تعالى : " وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج J ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير J وأن الساعة آتيتة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور " .
وقال الله تعالى : " ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد J والنخل باسقا لها طلع نضيد J رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج " .
وقال أبو رزين للنبي صلي الله عليه وسلم : كيف يحيى الله الموتى ؟ وما لآية ذلك في خلقه ؟
قال : " هل مررت بواد أهلك محلا ، ثم مررت به يهتز خضرا؟"
قال : نعم .
قال : " كذلك يخرج الله الموتى ، وذلك آيته في خلقه " .

وقصر مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذك إلى يبسها ، والشجر إلى حالها الأول ، كعود ابن آدم بعد كونه حيا إلى التراب الذي خلق منه .
وفصول السنة تذكر بالآخرة ، فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم ، وهو من سمومها ، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها ، والخريف يكمل فيه اجتناء الثمرات التي تبقي وتدخر في البيوت ، فهو منبه على اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة ، وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة ، وهو يذكر بنعم الجنة وطيب عيشها ، فينبغي أن يحث المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة .

كان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه إلى السوق ، فيقف وينظر ويعتبر ، ويسأل الله الجنة .
ومر سعيد عليه بن جبر بشباب من أبناء الملوك جلوس في مجالسهم في زينتهم ، فسلموا عليه ، فلما عنهم بكي واشتد بكاؤه ، وقال : ذكرني هؤلاء شباب أهل الجنة .
تزوج " صلة بن أشيم " بمعاذة العدوية ، وكانا من كبار الصالحين فأدخله ابن أخيه الحمام ، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب منجد ، فقاما يصلبان إلى الصباح ، فسأله ابن عن حاله ، فقال : أدخلتني بالأمس بيتا أذكرتنى به الجنة ، فلم يزل فكرى في الجنة والنار إلى الصباح . ولله در القائل :

إلى آثار ما صنع المليك       تفكر في نبات الأرض وانظر
بأحداق هى الذهب السبيك       عيون من لجين ناظرات
بأن الله ليس شريك       على قضب الزبر جد شاهدات

سبحان من سبحت المخلوقات بحمده ، فملأ الأكوان تحميده ، وأفصحت الكائنات بالشهادة بوحدانيته ، فوضح توحيده واعجبا للمتقلب بين مشاهدة حكمه وتناول نعمه ، ثم لا يشكر نعمه ولا يبصر حكمه .

أم كيف يجحده الجاحد       فواعجبا كيف يعصى الإله
وتسكينة أبدا شاهد       ولله في كل تحريكة
تدل على أنه واحد       وفي كل شيء له آية