باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع
والانتصار لدين الله تعالى

قال تعالى : وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ - سورة الحج من الآية 30
وقال تعالى : إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - سورة محمد من الآية 7

عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه قال: »جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ،
فقال: يأيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة« متفق عليه.

(جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح) أي ترك حضور الجماعة لتطويل الإمام
(من أجل فلان) فلان كناية عن ذي العلم العاقل المذكر، والظاهر أن الراوي هو الذي كنى عنه والرجل الذي شكاه للنبي صلى الله عليه وسلم سماه، وذلك من حسن الأدب في التعبير
(مما يطيل بنا) أي من إطالته الصلاة بنا
(فما رأيت) أي علمت
(النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ) ولا يعارض هذا ما جاء من نهيه القاضي أن يقضي حال غضبه لمكانه صلى الله عليه وسلم من العصمة المانعة من حمل الغضب إياه على ما لا ينبغي من قول أو فعل بخلاف غير المعصوم
(فقال: يأيها الناس إن منكم منفرين) فيه إخفاء وتعميم الحكم إما للستر عليه أو للإعراض وذلك من أشد الوعيد
(فأيكم أم الناس فليوجز) أي ليقتصر، وذلك مع إتمام الأركان والسنن
(فإن من ورائه) أي ممن اقتدى به
(الكبير) فيعجز عن الطول لكبره إذ هو مظنة الضعف غالبًا
(والصغير) الذي لا ثبات عنده على الصبر على الإطالة
(وذا الحاجة) فتمنعه الإطالة من إدراك حاجته وينشغل خاطره فيسلبه خشوعه الذي هو لب العبادة.

عن عائشة رضي الله عنها: » أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها« متفق عليه.

(فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ) أي شفيعًا عنده فيها
(فقالوا: من يجترئ عليه صلى الله عليه وسلم؟ ) من الجرأة والإقدام، أي يتجاسر عليه بطريق الإدلال
(إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي محبوبه، ففيه منقبة ظاهرة لأسامة
(فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟) أي بعد رفعه إليه
(ثم قام فاختطب) إيماء إلى أنه بالغ في الموعظة
(ثم قال) أي بعد أن وعظ وخوف وحذر وانذر كما تومئ إليه ثم
(إنما أهلك الذين من قبلكم) أي الأمم
(كانوا إذا سرق فيهم الشريف) قدرًا ووجاهة
(تركوه) لوجاهته وشرفه
(وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) لخموله وسقوط وجاهته
(وأيم الله) وهو إما جمع يمين أي قسم أو اسم مفرد مشتق من اليمن والبركة
(لو أن فاطمة بنت محمد سرقت) أتى به على سبيل المبالغة
(لقطعت يدها) مع أنها أشرف نساء هذه الأمة، ففيه أن شرف الجاني لا يسقط الحد عنه، وأن أحكام المولى سبحانه يستوي فيها الشريف والوضيع.